كان وطن ..
كان حضن .. كان سكينة ..
كان قبلة .. كان مثابة .. كان طمأنينة ..
هنا ضحكة طفل ، وهناك دعاء شيخ ..
وفي الركن تمتمة نسوة ..
وفي الشارع صخب صبية ..
وهناك حلم يعانق فرح ..
ونجاح يرسم قوس قزح ..
وود يحتضن الروح طوعا ..
وبراءة تسرق القلب عمدا ..
تشابك أكف ، وعناق تحايا ، وأحضان شوق .
وكوب شاي يختصر معلقات حب ووصايا رحم .
مائدة عليها أخوة وجيران ورفاق .. وعابري سبيل .
والقرية أمنة مطمئنة .. والمدينة حالمة تغازل نجومها .. والوادي يناجي غيثا لايتأخر ..
والصباحات البكر عابقة بزخات أمل .. والمساءات تتدلى بالأحلام الملونة .
كان كل شئ باذخ الطهر ، مفعم الصدق ، دسم النقاء ، ساحر الجمال .
حتى تلك العثرات وبعض الخيبات يحتويها زخم الحياء وضجة الحضور .
كنا وكانوا وكان الوطن .. فضعنا وضاعوا وأستوطنت المحن .
كنا جسدا واحد ..، فأصبحنا شيعا وأحزابا بيننا المتاريس والسواتر .
كنا بيتا واحد .. فأصبحنا في الخيام والشتات والسجون والمقابر .
كنا صفا واحد .. فأصبحنا قاتل ومقتول ، جريح ومبتور ، مفقود ومعزول .
كنا ساعدا واحد .. فأصبحنا كغثاء السيل ، كدخان وسط الريح ، كرسم على الرمال .
تاريخ دسناه بالنعال ، فأصابتنا السهام ، وتكسرت النصال على النصال .
أتقنا التبرير ، وفصلنا التهم ، ووقفنا نتبادل الأستفهام والحيرة والسؤال .
وكل يدَعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقر لنا بالوصال .
أبليس أقسم بعزة الله لأغوينهم أجمعين ، إلا العباد المخلصين .
وبعضنا قرأ الكتاب بلا تدبر ، والتاريخ بلا فهم ، وحمل الأمانة بلا وعي .
فسقطوا في الفخ ، وأغراهم أبليس بخير موزة ، كما أغوى أدم بأكل التفاحة .
وأستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ونسوا الله فأنساهم أنفسهم .
واشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين .
فهل تأتي توبة قبل فوات الأوان ، وعودة قبل الوداع الأخير .
فرب العقاب أوجد الإستغفار ، ورب الجنة خلق النار .
ومايدري أحدكم في أي زمن وبأي أرض يكون أخر المسار .
والدين أمانة ، والوطن أمانة ، والحق أمانة .
والعهد أمانة ،. والبيت أمانة ، والغد أمانة .
فأنظر ما أنت فاعل ، فاليوم عمل ، وغدا حساب .
الفارس الليبي

أكاديمية الشمس للشعر والأدب والثقافة